الشيخ عبد الغني النابلسي
123
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
من ذلك أن قومه عبدوا العجل المشتق من العجلة التي كانت له عليه السلام في مفارقتهم ، وزعموا أن ما عجل إليه وهو ربه عين ما عبدوه هم لالتباس الأمر عليهم بالخلق حيث كان تعالى له الخلق والأمر فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى [ طه : 88 ] . وقال تعالى نبينا صلّى اللّه عليه وسلم : وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ [ طه : 114 ] والقرآن أمره تعالى الذي ظهرت عنه خلقة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وهو التفاته إلى عالم الأمر في وقت التبليغ ، فنهى عن ذلك لئلا يقع الإجمال في تفصيله فيخرج عن كونه عربيا مبينا . ( والصنف الآخر ) : من السائلين ( بعثه على السؤال ) ، أي طلب حاجته من ربه ( لما علم ) يقينا بطريق الإجمال ( أن ثمة ) ، أي هناك يعني في عالم القضاء والقدر ( أمورا ) غير معلومة بالتفصيل ( عند اللّه ) تعالى بيان لقوله ثمة ( قد سبق العلم ) الإلهي ( بأنها ) ، أي تلك الأمور ( لا تنال ) ، أي لا تحصل لأحد ( إلا بعد سؤال ) منه لها بأن يدعو اللّه تعالى بحصولها فتحصل له لما أن ذلك السؤال من جملة ما سبق به العلم القديم ، فكون تلك الأمور لا تحصل إلا بالسؤال كونها مرتبة عليه في حضرة علم اللّه تعالى ، فإذا حصل السؤال حصلت تلك الأمور ، ولا بد أن يحصل السؤال فلا بد أن تحصل تلك الأمور ، وليس توقفها على ذلك السؤال توقف مشروط على شرط إلا بحسب ما يظهر للعقول إذ اللّه غني في إيجاد كل شيء عن الاحتياج إلى شيء ، بل توقفها على السؤال توقف أحد المترتبات على ما قبله . ( فيقول ) ذلك الصنف الآخر من السائلين ( لعل ما ) ، أي الذي ( نسأله ) ، أي نطلبه منه ( سبحانه ) وتعالى من الأمور ( يكون ) ، أي يوجد في علم اللّه تعالى ( من هذا القبيل ) قد سبق العلم الإلهي بأنه لا يحصل إلا بعد سؤال ( فسؤاله ) ذلك ( احتياط ) ، أي قبوله واعتباره لما يجده فيه من السؤال الذي قدره اللّه تعالى عليه وخلقه فيه غير مذموم عنده لاحتمال أن يكون ذلك المطلوب له مترتبا في علم اللّه تعالى على ذلك السؤال فهو يحتاط ( لما هو الأمر عليه ) في نفسه ( من الإمكان ) السائغ عنده في بعض الأمور التي يعطيها اللّه تعالى لعباده ( وهو ) ، أي ذلك الصنف من السائلين ( لا يعلم ما في علم اللّه ) تعالى من خصوص الأمر الذي لا يحصل إلا بعد سؤال ، أو يحصل من غير سؤال إذ علم اللّه تعالى قديم لا يحل في حادث ولا يحل فيه حادث ، فيوجد فيه المعلوم الحادث على حسب ما يليق بقدمه ، فهو قديم ومعلومه قديم ، ويوجد في الحادث بما شاء اللّه تعالى كما قال : وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ [ البقرة : 255 ] ، وإذا وجد في الحادث كان على حسب ما يليق بحدوثه ، فهو حادث ومعلومه حادث ، فصح أنه لا يعلم ما في علم اللّه تعالى أحد لا ملك ولا نبي ولا ولي .